توفيق أبو علم

118

السيدة نفيسة رضي الله عنها

--> الثاني : بمعنى الطاعة والالتزام والانقياد للمحبوب . ويشهد لهذين المعنيين : التاريخ الطويل ، من خلال ما يرويه من صور وحكايات شتّى على هذا الصعيد . وعلى هذا الامتداد فقد نشأ اتّجاهان في هذا المضمار ، كلٌّ يؤكّد معنىً دون الآخر ، ويبرز مواقف يبدو من خلالها الاهتمام بأحدهما دون الآخر بصورة مفرطة ، والتغافل عن الآخر . كما برزت ميول أخرى أيضاً في هذا الاتّجاه ، اشتملت على نزعة مغالطة ، ذهبت إلى مديات بعيدة ، تجاوزت كل الحدود والمفترقات ، تنشد ترجمة هذا « الحبّ » إلى واقع محسوس لكنّه بصورة مفرطة للغاية ، تجلّى فيها الغلوّ والإفراط بصورة كبيرة ، وأحياناً الجنون . وقد مرّت تجربة حبّ أهل البيت عليهم السلام في هذين الاتّجاهين ، وشملته النزعة الإفراطية التي تجلّت فيها معالم الغلوّ والإفراط ، كما تجسّد فيهم اتّجاه أخذ من التفريط بهم صفةً له . وقد نقل التاريخ صوراً عديدة تجسّدت فيها هذه الاتّجاهات خلال مواقف وسير الملوك والأمراء والقوّاد من جهة ، والعلماء والفقهاء وطلّاب العلم والمعرفة والحكمة والأخلاق من جهة أخرى ، ومن الشخصيات الاجتماعية والأدبية من جهة ثالثة . ثم ظهور الغلاة ، وما أوجدوه من ظاهرة غير إيجابية ، كان لها إسهام كبير في تفتيت أواصر الأُمة المسلمة ، وتدمير كل بنية تأسّست لغرض إصلاحها ، كلّ ذلك كانت صوراً شفّافة تحكي بوضوح عن الطامّة التي اوجدتها هذه الاتّجاهات المغالطة ، وعن دورها في تخريب معالم الدين الحنيف ، وهتك حرمة مقدّسات الأمة الاسلامية الكبيرة . وعلى ضوء ذلك ، فالرؤية المطلوبة هي الاتّزان والوسطية في هذا الاتّجاه ، بعيداً عن الغلوّ والتقصير ، أو الإفراط والتفريط ، الذي قد ذهب به البعض إلى حدّ منكر ، تمثّل في إيجاد ظاهرة النصب والنواصب ، الذين زادوا في ثلم الإسلام ، وتفتيت أوصال هذه الأمة . فالرؤية التي تشتمل على الميل القلبي العميق ، ثم العمل على ترجمة هذا الحبّ إلى واقعٍ ملموس ، من خلال الالتزام بسيرة المحبوب ، والتأسّي بسنّته ، وتحقيق ما يسرّه ويرضاه بالامتثال لأوامره ، وترك ما من شأنه أن يؤدّي إلى ازعاجه وامتعاضه بالاجتناب عن نواهيه ، هي الرؤية المطلوبة والمتّزنة . ذلك لأنّ الذي يظهر التعلّق بأحدٍ ، ويتظاهر بمودّته والتحبّب إليه ، ثم يخالفه في مقام العمل والامتثال ، لا يعدّ محبّاً ، ويفتقد - في الواقع - المحبّة الحقيقية ، وبالتالي فهي رؤية مجردّة عن الاتّزان ، وبعيدة عن الواقع المطلوب ، بل ومنبوذة أيضاً . ألا ترى لو أنّ أحداً ادّعى حبّه للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، وأظهر التودّد له ، وأبدى من العواطف